الفيض الكاشاني

مقدمة 24

علم اليقين في أصول الدين

على هذا فلا تنفع مطالعة كتب الفلاسفة والمتصوّفة ، لأنهم لا يتمكّنون من معرفتها أيضا . . . ولو أنّهم سعوا في تقوية إيمانهم وشرح صدورهم لعلهم وصلوا إلى ما فوق ذلك لو كانوا يعلمون ، وإلا فكلما خاضوا في هذه الأمور صاروا أضل من حيث لا يشعرون ؛ . . . فيا أخي قوّ إيمانك بالزهد والتقوى حتى تزداد علما وحكمة ، وإلا فلا تتعدّ طورك ، فرحم اللّه امرأ عرف قدره ولم يتعدّ طوره . چو مستعدّ نظر نيستى وصال مجوى * كه جام جم نكند سود وقت بىبصرى نعم إن شاهق المعرفة أشمخ من أن يطير إليه كل طائر ، وسرادق البصيرة أحجب من أن يحوم حوله كل سائر . . . فهذا الكلام مع المتصوفة وتابعيهم . وأما مجادلات المتكلمين ومن عنديّين ، فهم كما قيل : « جمع فكّوا ربقة التقليد من أعناقهم ، ونكّسوا الفطرة الأصلية ، لم يقنعوا بظواهر النبوة ، وأحدثوا من عند أنفسهم كلمات بلا طائل ؛ لا تدعهم طباعهم أن يقلدوا ، ولا يعينهم التوفيق أن يحقّقوا ، مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [ 4 / 143 ] » . . . وليعلم أنّ هذه الطوائف الأربع وإن كانوا يسيرون في الحيرة ويجولون في الضلال إلا أن الإنصاف يحكم بأنّهم - على اختلاف مذاهبهم - لم يخرجوا بشيء من أقاويلهم وعقائدهم من الإسلام ، ولم يأتوا بما يوجب على أحدهم اسم الكافر . . . فلا يجوز لعن أحد ممن كان على الفطرة بمجرد كونه ضالا ، ما لم يتحقّق كفره يقينا ، وما لم يثبت ثباته على كفره إلى أن أدركه الموت مستبينا . . . » . انتهى ما حكيناه من رسالة الانصاف . فنقول الآن : أمّا ما نفهم من هذه الكلمات ، فهو السيرة التي سار عليها أغلب العلماء والمحقّقين والمفكّرين ، ولو صرت تسأل عن لسان حالهم تراهم يقولون ما قاله الفيض - قدّس سرّه - فإنّ الإنسان ولد ولا يعلم شيئا ، ثم ذهب يتدرّج في سبيل الكمال والعلم ، ويصغي إلى ما يقوله كل طائفة ويفكّر فيه حتى - لو ساعده التوفيق - يخلص إلى الاعتقاد الصحيح ويصل إلى سبيل الرشد